عائلتي تربح.. والعراق يخسر ذاكرته!
ماذا لو كانت أخطر إجابة في «عائلتي تربح» هي الإجابة التي لا تُقال؟
ماذا لو لم تكن الصدمة في خسارة الجائزة، بل في اكتشاف أن ذاكرة أمة كاملة بدأت تتسرب من بين أصابع أبنائها؟
منذ سنوات، ظلت عائلتي الصغيرة من متابعي «عائلتي تربح» على MBC العراق، البرنامج الذي يقدمه الفنان العراقي جواد الشكرجي بحضور ومرح، بينما يضع المتسابقين أمام أسئلة في الجغرافيا والتاريخ والثقافة العامة.
أحب البرنامج لأنه، من حيث لا يقصد، يفعل أكثر من صناعة الترفيه؛ فهو يرفع مرآة في وجه المجتمع، ويكشف عبر إجابات عابرة ما قد تخفيه السنوات والبيوت والمناهج.
وأحيانًا تكون الصورة في المرآة قاسية.
حين لا يعرف متسابق القارة التي تنتمي إليها الأرجنتين، أو تُدرج لبنان ضمن دول الخليج، أو يعجز آخر عن معرفة من أين ينبع الفرات، يمكن أن نمر على الإجابة بوصفها خطأ عابرًا. لكن تكرار مثل هذه الإجابات يحوّل الخطأ إلى سؤال أكبر: ماذا يحدث لذاكرتنا؟
والسؤال يصبح أكثر وجعًا حين يتعلق الأمر بالعراق.
فالعراق ليس بلدًا عاديًا في دفتر الجغرافيا؛ إنه أحد الفصول الأولى في كتاب الحضارة الإنسانية. هنا ظهرت الكتابة، وشُيدت المدن، وسُنّت القوانين، وازدهرت بابل، ثم حملت بغداد مشاعل العلم والأدب والفلسفة إلى العالم.
ومن هنا تحديدًا يصبح الجهل بالذاكرة العراقية أكثر إيلامًا. كيف يجهل عراقي البحتري أو أبا نواس أو أبا فراس الحمداني؟ وكيف يمكن لابن بغداد أن يجهل الفرات؟ وكيف لا يرى ابن الموصل والبصرة والكوفة في مدينته أكثر من اسم على بطاقة هوية؟
لكن قبل أن نلوم الجيل، علينا أن نسأل: من علّمه؟ ومن أين كان يفترض أن تأتي هذه المعرفة؟
ربما نحن أمام أزمة تعليم قبل أن نكون أمام أزمة جيل. سنوات من الحفظ والاستظهار، ثم جاء عالم رقمي سريع يختصر المعرفة إلى مقطع وثوانٍ وإشعار. صار الوصول إلى المعلومة أسهل، لكن امتلاكها وفهمها وربطها بالهوية أصبح أصعب.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: ليس أن يجهل الإنسان إجابة، فالمعرفة يمكن أن تُكتسب، وإنما أن يصبح الجهل بها أمرًا عاديًا لا يثير سؤالًا ولا يوقظ فضولًا. عندها لا تضيع معلومة فقط، بل تنقطع خيوط تصل الإنسان بماضيه.
وعندما تنقطع تلك الخيوط، يصبح التاريخ حكاية بعيدة، والوطن مجرد مكان، والحضارة صورة معلقة على جدار.
لذلك تتحول المسابقة، دون أن تقصد، من لعبة إلى سؤال وطني: هل نعلّم أبناءنا كيف ينجحون في الامتحان، أم كيف يفكرون؟ هل نمنحهم المعلومات فقط، أم نمنحهم شغف البحث عنها؟
يا جواد الشكرجي، ربما «عائلتي تربح» ليست مسابقة عن المال وحده؟

