الغريب
جاء إلى الحي لوحده، وسكن في الجانب الشمالي للمدرسة... له ملامح جادة
وصمت مريب... لم يتغير أبداً طوال السنوات التي قضاها بيننا، يكتفي ببعض الابتسامات والوجوم... لم يأتِ لزيارته أحد ما سوى بعض الكلاب والقطط التي تسكن معه...
تجمّع الغبار على عتبة بيته كأنه جزء من البناء، وكان الصمت ينبعث من نافذته كدخانٍ كثيف لا يُرى. لم يكن أهل الحي يكرهونه، بل كانوا يهابون تلك المساحة الفاصلة بينه وبين العالم، مساحة لم يستطع أحد عبورها غير تلكم الكائنات الوفية التي طالما استشعرت هدوءه الصادق في زمنٍ يضج بالادعاء.
كان يمر بالشارع الرئيسي كأنّه خيالٌ يطفو فوق الأسفلت؛ خطوة متأنية لا تعجل فيها، وعينان تطوفان في الفراغ كأنهما تبحثان عن شيء فقده قبل أن يطأ هذا المكان. ورغم أن القيل والقال طاله في بدايات استقراره، إلا أن الزمن كفيلٌ بتحويل الغرابة إلى عادة، والصمت المريب إلى حقيقة موجزة: هناك من يختار أن يعيش على هامش الحياة دون أن يثير انتباه أحد.
أشرقت شمس الصباح على الجانب الشمالي للمدرسة، حيث يبدأ نهاره على إيقاع خفي لا يشبه إيقاع الحي. لم يكن يستيقظ على صياح الديكة ولا على ضجيج الباعة، بل مع أول خيط للنور؛ يفتح بابه الخشبي القديم ببطء، حريصاً على ألا يصدر الصرير الذي قد يوقظ الجيران.
كانت يومياته تدور في فلك من الطقوس الصارمة:
* قهوة الصباح والصمت: يجلس على كرسي خيزران تآكلت أطرافه، يحمل بين يديه كوباً حجرياً تصاعد منه بخار القهوة السوداء. يظل شاخصاً بنظره نحو ساحة المدرسة الفارغة قبل وصول الطلاب، وكأنه يقرأ خطوطاً مرئية في الهواء.
* رفاق العزلة: تنكمش القطط حول قدميه في وداعة غير مألوفة، بينما يستلقي كلب زقاق أشهب عند عتبته، يحرسه بنظرات يفهمها الغريب وحده. لم يكن يطعمها بأسلوب العطف التقليدي، بل يقسم رغيفه بينه وبينها بالعدل، وكأنهم شركاء في غربة واحدة.
* مشوار الغروب: في الهزيع الأخير من النهار، يخرج حاملاً كراسة ذات غلاف جلدي داكن. يمشي بخطوات موزونة نحو أطراف الحي، يجلس على حجر كبير، ويبدأ في كتابة شيء ما بسرعة دون أن يلتفت حوله. لا أحد يعلم إن كانت تلك ذكريات، أم رسائل لشخص لم يأتِ قط.
أما أغرب ما فيه، فكانت تلك اللحظات التي تتساقط فيها الأمطار؛ حيث يخرج ليقف تحت المطر كاملاً، رافعاً رأسه نحو السماء بابتسامة غامضة هي الوحيدة التي تكسر جمود ملامحه، قبل أن يعود إلى الداخل ويغلق بابه للغد.
انكشفت أوراق الكراسة الجلدية ذات مساء، حين هبّت عاصفة مفاجئة وجرفت إحدى صفحاتها من على الحجر الكبير لتسقط عند قدمي أحد فتية الحي. لم تكن الكراسة تحتوي على مذكرات شخصية أو أسماء، ولا على رسائل شوق موجهة إلى عناوين بعيدة كما ظن الجميع، بل كانت مليئة بما هو أغرب:
* خرائط للوجوه: رسومات دقيقة بالقلم الرصاص لملامح أهل الحي، ولكن ليس كما يبدون في الواقع، بل كما ينعكسون في داخله. رسم البائع العجوز وأمامه طيف أطفال راحلين، ورسم معلم المدرسة ووراءه الظلال التي يهرب منها، ورسم الأطفال وهم يحملون أجنحة شفافة.
* سجل الأصوات والسكوت: تدوينات قصيرة تنمّ عن ملاحظة شديدة الدقة للكون من حوله، كتب في أحد أطرافها: "الساعة الرابعة عصراً: صوت ارتطام باب المدرسة بالريح أشبه بنبض قلب يرفض الرحيل"، وفي صفحة أخرى: "القط الأشهب يفهم الفرق بين الصمت الذي يعني الخوف، والصمت الذي يعني السلام".
* حسابات الزمن المفترض: أرقام وتواريخ متسلسلة تعود لسنوات قادمة، بجانبها عبارات مبهمة مثل: "اليوم الذي ستسقط فيه الشجرة الكبيرة"، أو "اليوم الذي سيرحل فيه آخر حراس العتمة".
لم تكن الكراسة سوى مرآة لحيّ كامل، يراها رجل قرر أن يكون شاهداً صامتاً على الحياة دون أن يشترك في ضجيجها، يُسجّل أرواح الآخرين بينما يحتفظ بروحه غائبة في مكان لا يصله أحد.
لم يتفطن الغريب لفقدان الورقة، أو ربما فطن وتجاهل الأمر كعادته، فلم يكن يكترث لما يتساقط منه في طريق العابرين.
مرت السنوات متتابعة دون أن تتغير طقوسه، حتى جاء صباح خذلت فيه الشمس عادتها، ولم يفتح الباب الخشبي القديم. انتاب الحي سكونٌ أثقل من المعتاد، واستقرت القطط والكلاب عند العتبة في انتظارٍ واجم، تحرس الغياب كما كانت تحرس الحضور.
عندما تجرأ أهل الحي ودخلوا البيت لأول مرة، لم يجدوا للغريب أثراً؛ كان الفراغ يملأ المكان، والكراسة الجلدية مستقرة على الطاولة، مفتوحة على صفحتها الأخيرة وقد كُتب فيها بخط واضح:
"لم أكن غريباً عنكم، بل كنت الصمت الذي احتجتموه لتسمعوا حقيقتكم... أترك لكم المكان كما وجدته، وأمضي."
رحل الغريب كما جاء، خفيفاً كالهواء، ودون أن يترك خلفه سوى الحكاية، وأثرٍ حنون في أرواح كل الكائنات التي مرت بظله.

