كًتاب ومقالات

حروف صحية ~ د. إيمان ادم

حروف صحية ~ د. إيمان ادم

التعلم بالنمذجة:
في أروقة علم النفس وتنمية الطفل، نمضي سنوات طويلة في إعطاء النصائح والمواعظ وتحديد العقوبات،

مؤمنين بأن الكلمة هي أداة التغيير الأولى. ولكن وسط هذا الصخب اللفظي، نغفل عن حقيقة تربوية ونفسية جوهرية، وهي أن الأبناء يمتلكون رادارات حسية فائقة الدقة، لا يتعلمون بما نكرره على مسامعهم بقدر ما يمتصون ما نفعله أمامهم. يعرف هذا المفهوم التعلم بالنمذجة، وهو السلوك الذي يعنى بتشكل شخصية الطفل واستجاباته بناء على المشاهدة الحية لا التوجيه الشفهي.
ترجع الأسباب النفسية والعصبية لهذه الظاهرة إلى طبيعة النمو الدماغي في المراحل الأولى؛ إذ يطور العقل آليات الاستيعاب المادي والبصري قبل القدرة على تفكيك المفاهيم اللفظية المجردة. كما تلعب الخلايا العصبية المرآتية دورا محفزا في عقل الطفل عبر محاكاة تصرفات الوالدين واستنساخها تلقائيا. فالنصيحة اللفظية تظل فكرة غامضة، بينما رؤية الوالدين وهما يمارسان الهدوء والضبط الذاتي تقدم نموذجا حركيا ونفسيا جاهزا للتطبيق المباشر.
ينتج عن التناقض بين القول والفعل آثار نفسية واجتماعية عميقة؛ فعندما ينهى الأب طفله عن الصراخ بينما يمارسه أمامه، يقع الطفل في فخ التناقض المعرفي، مما يُحدث ارتباكا في مفاهيمه الأخلاقية ويضعف مصداقية الوالدين وسلطتهما. أما اجتماعيا، فإن التفاعل بين الزوجين داخل المنزل يشكل النموذج الأولي الذي ينسج منه الطفل شكل علاقاته المستقبلية وقدرته على ضبط انفعالاته.
ولعلاج هذه الفجوة التربوية، يجب توجيه البوصلة نحو النمذجة الواعية وتعديل سلوك الراشدين أولا. يكمن العلاج في ممارسة ضبط النفس، والصدق، والوفاء بالوعود أمام الطفل؛ فمنح القدوة الحية يكسبه المتانة النفسية والقدرة على مواجهة الحياة دون حاجة لخطابات زاجرة. فالأبناء في النهاية لا يتذكرون كم النصائح، بل تتشكل شخصياتهم بناء على كيفية عيشنا، فهم يسيرون بصمت على أثر خطواتنا الفعلية، لا على إيقاع كلماتنا.

Related Articles

إلي أن نلتقي - قسم خالد

إلي أن نلتقي - قسم خالد

البطاقات المتعمدة

آكشن كورة

اكشن كورة هي الصحيفة الرياضية الرائدة في مجال الرياضة المحلية والعالمية والتقارير الرياضية مع نخبه من آميز الكتاب والصحفيين المتخصصين في المجال الرياضي